محمد سعيد رمضان البوطي

328

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

الأمانة ، وأينعت أرض الجزيرة بغرس التوحيد وانتشر الإسلام يغزو الأفئدة والقلوب في كل مكان . وإن بالناس - وهم اليوم كثرة متفرقون - لشوقا إلى مزيد من اللقاء مع رسولهم والاستفادة من هديه ونصائحه ، وبه هو أيضا صلّى اللّه عليه وسلم شوقا إلى مزيد من اللقاء معهم ، لا سيما تلك الحشود التي دخلت في الإسلام حديثا من مختلف جهات الجزيرة العربية ، ممن لم تتح لهم فرص اللقاء الكافي معه صلّى اللّه عليه وسلم . وإن أكبر وأجمل فرصة لذلك إنما هي فرصة اللقاء في الحج إلى بيت اللّه الحرام ، وفي سفوح عرفات ، لقاء بين أمة ورسولها في ظل شعيرة من أكبر شعائر الإسلام ، لقاء اتضح أنه كان في علم اللّه تعالى وإلهام رسوله ، لقاء توصية ووداع . ويريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أيضا أن يلتقي بهؤلاء الحشود المسلمة ، الذين جاؤوا ثمرة جهاد استمر ثلاثة وعشرين عاما ، ليلخص لهم تعاليم الإسلام ونظامه في كلمات جامعة وموعظة مختصرة يضمّنها كوامن وجدانه ونبرات محبته لأمته ، وليستطلع من وجوههم صورة نسلهم وأعقابهم الذين سيأتون من بعد فينهي إليهم نصائحه وتوصياته من خلف حواجز الزمن ووراء أسوار القرون . تلك هي بعض معاني حجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : حجة الوداع ، وإنك لتراها متجسدة في خطبته التي ألقاها في وادي عرنة في يوم عرفة . ثالثا - تأملات في خطبة الوداع : وللّه ما أروعها من كلمات ، تلك التي ألقاها في سفوح عرفات ، وراح يخاطب فيها الأجيال والتاريخ بعد أن أدى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الدعوة إلى ربه ثلاثة وعشرين عاما لا يكلّ ولا يملّ . . وللّه ما أروعها من ساعة ، تلك التي اجتمع حول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيها الآلاف المؤلفة ، اجتمعوا حوله خاشعين متضرعين ، وطالما تربّصوا به قبل ذلك متآمرين ومحاربين . آلاف مؤلفة يملؤون ما يمتد به النظر من كل الجهات ، تردد بلسان حالها قول اللّه عز وجل : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [ غافر 40 / 51 ] . وأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ينظر من خلال وجوههم إلى الأجيال المقبلة ، إلى العالم الإسلامي الكبير الذي سيملأ شرق الأرض وغربها . وراح يلقي على مسامع هذا العالم خطابه المودع : « أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري ، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا . . . » . وأنصتت الدنيا لتسمع قوله ، وأنصت الحجر والقفر والمدر إلى الكلمة المودعة ينطق بها فم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعد أن أنست وسعدت به الدنيا كلها ثلاثة وستين عاما ، ها هو اليوم يلمّح بالرحيل ، بعد أن قام بأمر ربه وغرس الأرض بغراس الإيمان . وها هو الآن يلخص المبادئ التي جاء بها وجاهد في سبيلها في كلمات جامعة ، وبنود معدودة ، يلقي بها إلى سمع العالم .